محمد بن جرير الطبري
108
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
ذكرت لك في تنزيلي عليك : تعالوا أيها القوم أقرأ عليكم ما حرم ربكم حقا يقينا ، لا الباطل ، تخرصا كخرصكم على الله الكذب والفرية ظنا ، ولكن وحيا من الله أوحاه إلي ، وتنزيلا أنزله علي ، ألا تشركوا بالله شيئا من خلقه ولا تعدلوا به الأوثان والأصنام ولا تعبدوا شيئا سواه . وبالوالدين إحسانا يقول : وأوصى بالوالدين إحسانا . وحذف أوصى وأمر لدلالة الكلام عليه ومعرفة السامع بمعناه ، وقد بينا ذلك بشواهده فيما مضى من الكتاب . وأما أن في قوله : أن لا تشركوا به شيئا فرفع ، لان معنى الكلام : قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ، هو أن لا تشركوا به شيئا . وإذا كان ذلك معناه ، كان في قوله : تشركوا وجهان : الجزم بالنهي ، وتوجيهه لا إلى معنى النهي . والنصب على توجيه الكلام إلى الخبر ، ونصب تشركوا بأن لا كما يقال : أمرتك أن لا تقوم . وإن شئت جعلت أن في موضع نصب ردا على ما وبيانا عنها ، ويكون في قوله : تشركوا أيضا من وجهي الاعراب نحو ما كان فيه منه ، وأن في موضع رفع ، ويكون تأويل الكلام حينئذ : قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ، أتل أن لا تشركوا به شيئا . فإن قال قائل : وكيف يجوز أن يكون قوله تشركوا نصبا ب أن لا ، أم كيف يجوز توجيه قوله : أن لا تشركوا به ، على معنى الخبر ، وقد عطف عليه بقوله : ولا تقتلوا أولادكم من إملاق وما بعد ذلك من جزم النهي ؟ قيل : جاز ذلك كما قال تعالى ذكره : قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم فجعل أن أكون خبرا وأن اسما ، ثم عطف عليه ، وكما قال الشاعر : حج وأوصى بسليمى الأعبدا * أن لا ترى ولا تكلم أحدا ولا يزل شرابها مبردا فجعل قوله أن لا ترى خبرا ، ثم عطف بالنهي ، فقال : ولا تكلم ، ولا يزل .